ابن الجوزي

54

زاد المسير في علم التفسير

لإلقائه الهجود عن نفسه ، كما يقال : تحرج وتأثم . قوله تعالى : * ( نافلة لك ) * النافلة في اللغة : ما كان زائدا على الأصل . وفي معنى هذه الزيادة في حقه قولان : أحدهما : أنها زائدة فيما فرض عليه ، فيكون المعنى : فريضة عليك ، وكان قد فرض عليه قيام الليل ، هذا قول ابن عباس ، وسعيد بن جبير . والثاني : أنها زائدة على الفرض ، وليست فرضا ; فالمعنى : تطوعا وفضيلة . قال أبو أمامة ، والحسن ، ومجاهد : إنما النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة . قال مجاهد : وذلك أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فما زاد على فرضه فهو نافلة له وفضيلة ، وهو لغيره كفارة . وذكر بعض أهل العلم : أن صلاة الليل كانت فرضا عليه في الابتداء ، ثم رخص له في تركها ، فصارت نافلة . وذكر ابن الأنباري في هذا قولين : أحدهما : يقارب ما قاله مجاهد ، فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تنفل لا يقدر له أن يكون بذلك ماحيا للذنوب ، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وغيره إذا تنفل كان راجيا ، ومقدرا محو السيئات عنه بالتنفل ، فالنافلة لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] زيادة على الحاجة ، وهي لغيره مفتقر إليها ، ومأمول بها دفع المكروه . والثاني : أن النافلة للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأمته ، والمعنى : ومن الليل فتهجدوا به نافلة لكم ، فخوطب النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بخطاب أمته . قوله تعالى : * ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) * " عسى " من الله واجبة ، ومعنى يبعثك " يقيمك * ( مقاما محمودا ) * وهو الذي يحمده لأجله جميع أهل الموقف . وفيه قولان : أحدهما : أنه الشفاعة للناس يوم القيامة ، قاله ابن مسعود ، وحذيفة بن اليمان ، وابن عمر ، وسلمان الفارسي ، وجابر بن عبد الله ، والحسن ، وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد . والثاني : يجلسه على العرش يوم القيامة . روى أبو وائل عن عبد الله أنه قرأ هذه الآية ، وقال : يقعده على العرش ، وكذلك روى الضحاك عن ابن عباس ، وليث عن مجاهد . قوله تعالى : * ( وقل رب أدخلني مدخل صدق ) * وقرأ الحسن ، وعكرمة ، والضحاك ، وحميد بن قيس ، وقتادة ، وابن أبي عبلة بفتح الميم في " مدخل " و " مخرج " . قال الزجاج : المدخل ، بضم الميم : مصدر أدخلته مدخلا ، ومن قال : مدخل صدق ، فهو على أدخلته ، فدخل مدخل صدق ، وكذلك شرح " مخرج " مثله .